مدرسة
السلطان قايتباي
--------------------------------------------------------------------------------
السلام عليكم
مدرسة السلطان قايتباي ما من مرة عبرت فيها هذا الدهليز إلا وشعرت بأنني أرتحل، أو انني انتقل من طور الى طور، فأصل بين عالمين، المادي اليومي بكل ما فيه من ضجيج وكدورات، ومشادات، وصراعات سخيفة، ومفارقات، وبين هذا العالم الروحي الذي يتجه فيه العبد الى ربه، ويتضح الأمر بين الانسان وخالقه، انها خطوات قليلة، لكنها تفصل الانسان وتهيئه للدخول الى عالم مختلف، هل لهذا السبب تبدو أصوات الشارع القريب بعيدة جدا عند الاصغاء اليها من داخل صحن المسجد؟ عند دخولي الى قبة قلاوون، اتطلع الى شارع المعز عبر النوافذ الضخمة، الطريق في متناول اليد لكنه بعيد جدا في نفس الوقت، عند جلوسي مستندا بظهري الى جدار مسجد المؤيد الذي اعتدت ان اقرأ فيه أو أرحل بفكري الى هنا أو هناك، يكون الطريق المزدحم لسوق الغورية في المدى مباشرة، لكنه بعيد بكل ضجيجه وصراخ باعته وزبائنه. هذا الدهليز الفاصل يجتازه الانسان بخطوات تنقله من عسر الى يسر، من ضيق الى فرج، كأنه الوصلة ما بين رحم الدنيا والخروج الى عالم مغاير، مختلف. هكذا.. يبدأ الصحن الداخلي في الظهور، الألوان، الحضور، يبدأ انسدال السلام والطمأنينة على الروح، يلوح جانب من الايوان المواجه، يبدأ ولوجنا الى منظومة الألوان، والاضواء، والظلال، واذ نلج الصحن تماما، نقف في مدخله، نتطلع الى الايوانات الاربعة، ينزل برد وسلام على القلب، هذا كون روحي مصغر، حيث يشير كل جزء من البناء، حجراً كان أو خطا أو وحدة زخرفية أو مقرنصة أو قطعة زجاج، الى الخالق الاعظم الذي لا تدركه العيون ولا تحيط به الأبصار. لنصغ قليلا الى وصف معماري متخصص، يقول الدكتور كمال الدين سامح: «تعتبر مجموعة
قايتباي بالقرافة الشرقية من أبدع واجمل المجموعات المعمارية في مصر الاسلامية، ويتكون المسقط الافقي من صحن مربع محاط بأربعة ايوانات اكبرها ايوان القبلة، الجانبيان منها صغيران وايوان القبلة يشرف على الصحن بواسطة عقد مدبب من طراز نعل الفرس كما هو الحال في ايوان القبلة بمدرسة الظاهر برقوق بالنحاسين، وتكتنف المحراب من جهتيه نافذتان شكلهما من الخارج داخل تجويف مستطيل الشكل ومن الداخل تظهران معقودتين وتعلوهما نوافذ مدببة تملأها اجزاء من الزجاج الملون، وأسقف الايوان الرئيسي من الخشب المزخرف والمحلى بنقوش مذهبة، وقد كان الصحن في بادئ الأمر بسقف من الخشب يعلوه منور مثمن، وبجوار ايوان الصلاة الضريح الذي يبرز قليلا عن الواجهة الجانبية ومغطى من اعلاه بقبة حجرية محمولة على مقرنصات مزخرفة من الخارج بزخارف نباتية داخل مناطق هندسية محفورة على الحجر». هذا ما كتبه الدكتور كمال الدين سامح في كتابه «العمارة الاسلامية في مصر»، ولن يخرج الأمر عن ذلك الوصف المختصر في الدراسات الاخرى الحديثة، وان كان الدكتور عفيف بهنسي توقف مطولا أمام المسجد في كتابه الضخم «الفن الاسلامي» الذي طبع في دمشق. للأسف.. لا توجد صور دقيقة للمسجد يمكن ان يشتريها الزائر، لا ملونة ولا غير ملونة، ففي بلاد العالم المختلفة بعد أو قبل الزيارة يمكن للزائر أن يجد ركنا صغيرا في المتحف أو أماكن العبادة، يبيع نماذج للمكان أو ما يضمه من لوحات، وسلايدات، وشرائح ملونة، وبطاقات بريد، وكتب عن تاريخ المكان، لماذا لا تقوم هيئة الآثار بعمل منظم يستهدف بيع النماذج واللوحات والكتيبات باللغات المختلفة في المواقع الأثرية؟ فإلى جانب دلالة ذلك الثقافية فإنه عمل تجاري مربح، اذكر بعد وقوفي مطولا امام نصب ابدعه مايكل انجلو ان خرجت الى مكتبة صغيرة قريبة مخصصة فقط لكل ما يدور حوله، بدءا من الكتب التي تدور حوله، حتى بيع نماذج مختلفة الاحجام له، وقد اشتريت نموذجا من الرخام دقيقا الى حد كبير، اضعه فوق مكتبي، كمصدر تحد واستفزاز، اقول لنفسي دائما: يجب ان نتعامل مع الأدب، مع الكلمات، كما تعامل مايكل انجلو مع الحجر الصلد فأبدع. في القرن التاسع عشر جاء الى مصر معماري ومهندس وفنان كبير، انه بريس دافن، امضى عدة سنوات ليرسم زخارف ونقوش الفنون الاسلامية من عمارة، واخشاب، ورخام، وجص، ونحاس، وجلود، وخط. فرنسيان جاءا الى مصر ورسما ودرسا العمارة الاسلامية، باسكال كوست، وبريس دافن، وكتاباهما يعتبران الآن من النفائس، وقد طبع كتاب بريس دافن في فرنسا خلال القرن التاسع عشر، ومنذ سنوات اعادت دار نشر لبنانية خاصة اصداره في نسخة تشبه تماما النسخة الأصلية، تتكون من نص مكتوب وثلاثة مجلدات ضخمة، يصل حجمها الى حوالي متر طولا وسبعين سنتيمترا عرضا، ويبلغ ثمن هذا الكتاب بضعة آلاف من الجنيهات الآن، ولكم كنت اتمنى ان يعاد اصدار مثل هذه الكتب عن دور نشر مصرية، خاصة الهيئة المصرية العامة للكتاب، لكن.. لم يحدث هذا، ومنذ عامين اقدم المهندس عهدي فضلي مدير عام مطابع اخبار اليوم على خطوة ذات بعد ثقافي في مدلولها، وعندما اصدر نتيجتين، الاولى تضم ست لوحات من بريس دافن، والثانية تضم اثنتي عشرة لوحة من نفس الكتاب، وتباع كل منهما بقروش زهيدة، وعند سفري احمل عددا منها كهدايا الى الاصدقاء الاجانب، ولكم يكون سروري بالغا اذ المح انبهارهم، أولا بجمال الآثار الاسلامية وثانيا بروعة الطباعة. انني افضل لوحات بريس دافن واديم النظر فيها، كتابه في متناول يدي باستمرار، اتوقف عند مسجد قايتباي، لأرى كيف كان يبدو في النصف الأول من القرن التاسع عشر. خمس لوحات ضمها المجلد الأول المخصص لفنون العمارة في معظمه، ثلاث تصور المسجد من الخارج والداخل، ولوحة تفصيلية لنقوش المئذنة واجزائها، واخرى لواجهة السبيل. اللوحة الأولى تمثل منظرا عاما للمسجد، اتصور ان بريس دافن كان يقف في نقطة تقع الى الشرق باتجاه الشمال قليلا عندما كان يرسم المسجد، تبدو الواجهة والمدخل والسبيل والضريح والمئذنة، الملامح الرئيسية كما هي الآن تقريبا، لكن المبنى الأمامي المخصص للحوض والساقية يبدو في اللوحة متصلا بالمسجد، يصلهما جدار عريض، ازيل، وشق طريق ضيق
منقول